عبد الفتاح اسماعيل شلبي

329

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

ومهما يكن من أمر فان طول ملازمة ابن جنى للفارسي كان لها آثارها العامة ومظاهرها التي لا تنكر : ( ا ) فقد درس ابن جنى أبا على دراسة دقيقة حتى عرف خطرات نفسه . ( ب ) وحفظ علمه وأذاعه في كتبه . ( ج ) وسلك مسلكه في الاحتجاج للقراءات على اختلاف بين الرجلين . كانت كتب ابن جنى امتدادا لكتب أبى على الفارسي ، وابن جنى يحس ذلك فلا يفرق بين كتبه وكتب الشيخ فنراه يقول : بعد أن أورد أبياتا في الخصائص - وهذه الأبيات قد شرحها أبو علي ( رحمه اللّه ) في البغداديات فلا وجه لا عادة ذلك هنا ، فإذا آثرت معرفة ما فيها فالتمسه منها « 1 » ، . وهكذا نرى ابن جنى يشير إلى ما كتب الشيخ ، وكأنه يشير إلى مؤلف له من المؤلفات السابقة . * * * وبعد : فما الذي دعا ابن جنى إلى تأليف كتاب المحتسب في الاحتجاج للشواذ ؟ ! : شهد القرن الرابع الهجري حركة غايتها توثيق بعض القراءات ، وتشذيذ بعضها الآخر ذلك إلى جانب الأسباب العامة التي دفعت أبا على إلى الاحتجاج على وجه العموم ، وكان قائد هذه الحركة أبو بكر بن مجاهد ( ت 324 ه ) أول من سبع السبعة كما يقولون « 2 » ، وشذذ ما عداها ، وقد عرفنا من رجال هذا العصر رجلين من القراء فقرأ بروايات أخرى من التي شذذها ابن مجاهد ، أحدهما : ابن شنبوذ ، والآخر : أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم العطار . وقد حمل ابن مجاهد على ابن شنبوذ ، وعقد له مجلسا بحضرة الوزير ابن مقلة ، وكتب عليه محضرا ، واستتيب عما كان يقرأ به من الشاذ « 3 » وكذلك فعل بابن مقسم من بعده « 4 » . أما الرأي العام فينقسم فريقين أمام هذه الحركة المتحررة التي سبق إليها كلا الرجلين كما تدل عليه عبارات كتب التراجم : فكان ابن الجزري يمثل المؤيدين لها حين يقول في ابن شنبوذ : « أنه كان ثقة في نفسه ، صالحا ، دينا ، متبحرا في هذا الشأن « 5 » » . وحين ينقل عبارة أبى عمرو الداني فيه : « تحمل الناس الرواية عنه ، والعرض

--> ( 1 ) الخصائص 1 / 336 . ( 2 ) إبراز المعاني 5 . ( 3 ) طبقات القراء 2 / 54 . ( 4 ) طبقات القراء : 2 / 124 . ( 5 ) المصدر السابق : 2 / 54 .